الخميس، 18 يونيو 2015

ما هي أهمية الرؤية الحكومية ومعناها؟

جريدة الاخبار - 18/6/2015

لنفترض أن هناك 3 مجموعات من الأفراد متواجدة في إحدي الحدائق، وبدأت عاصفة رعدية تنذر بأمطار غزيرة، فقام رئيس المجموعة الأولي بالوقوف وصاح في أعضاء مجموعته: «اجروا ورايا فوراً»، وابتدي يزعق في الناس اللي ما قاموش معاه.

أما رئيس المجموعة الثانية فقام بهدوء وقال لأعضاء مجموعته: «آدي الخطة، كل واحد منا هيقوم يقف ومافيش داعي للجري، وكل واحد ياخد معاه حاجته واتأكدوا انكم ماسبتوش حاجة أو أي متعلقات، وهنمشي بهدوء لغاية ما نوصل لشجرة التوت، وياريت كل واحد يسيب خطوتين بينه وبين اللي جنبه، ولما هنوصله نعمل كذا وكذا...وأنا أتابع مع واحد واحد بيعمل أيه

أما رئيس المجموعة الثالثة فقال لأعضاء مجموعته: «الدنيا هتمطر بعد بضع دقائق، إيه رأيكم نتحرك لهناك ونقعد تحت شجرة التوت الضخمة دي، وبكده مش هنغرق من المطرة وهنعرف ناخد غدانا ونحلي كمان من شجرة التوت».

رئيس كل مجموعة من الثلاثة كان عاوز ينقذ مجموعته من الأمطار، ولكن الفارق بينهم جوهري الأول: أسلوب الإدارة الديكتاتوري المفتقر إلي رؤية واضحة، المهم نبعد ونجري عن المطر، إزاي؟ مش مهم، ولم يطلع أعضاء مجموعته علي هدفه، وما هي الفائدة التي تعود عليهم، واعتمد علي اصدار قرارات فورية.

أما رئيس المجموعة الثانية فأدار المسألة بشكل تفصيلي، ولم يعط أي دور لأعضاء مجموعته وألغي دورهم تماماً، وأعتمد علي فلسفة الإدارة الفوقية التفصيلية  Micro Management.

أما رئيس المجموعة الثالثة فوضع رؤية - أي هدف واضح جداً في المستقبل، والنتائج والآثار الإيجابية لهذا التحرك والواجب الوصول إليها، ودون أن يغرق نفسه وغيره في التفاصيل.

وهذا ما نريده من الحكومة، أن تتبع الأسلوب الثالث مع وزرائها وأجهزتها التنفيذية. لا يمكن تحقيق الإصلاح الاقتصادي أو الاجتماعي بمجرد تعليمات وقرارات فوقية -كما حدث في الطريقة الأولي- ولايمكن تحقيق نجاحات حقيقية -كما في الطريقة الثانية-بأن يقوم رئيس المجموعة أو يحاول أن يدير كل شيء وأن يتابع كل التفاصيل، فهذا سيعيق الإصلاح بشكل سريع، وسيجعل الجميع في انتظار تعليمات محددة حتي يتحرك، ولن يتحرك أحد من نفسه. أكيد المتابعة التفصيلية من القيادة ستحقق نتائج إيجابية في بعض المناطق والجهات، ولكن لن تحقق التغيير الشامل، وإنما تغيير أو إصلاح جزئي.

أما التغيير الحقيقي وتجاوز حائط الصد البيروقراطي فلن يحدث إلا باتباع الأسلوب الثالث في الإدارة، هذا الأسلوب يعتمد علي وجود رؤية واضحة وآليات للمتابعة، ومشاركة للتنفيذين في أتخاذ القرار.

الرؤية تعني وضوح صورة المستقبل، مع التوضيح لعموم الناس لماذا يجب أن يعمل الجميع علي تحقيق هذا المستقبل.


الرؤية الجيدة تستهدف تحقيق أغراضا ثلاثة: الأول: توضيح الاتجاه العام للتغيير، مثل أن يقال نريد أن يكون ترتيب مصر رقم (80) علي مستوي العالم من حيث جودة التعليم الأساسي بدلاً من الترتيب الحالي رقم (141)، وذلك خلال 3 سنوات. أو أن نقول أننا نحتاج أن يصل معدل البطالة إلي 9% خلال 3 سنوات من الآن بدلاً من 13،5%. أو أن أخلق مليون فرصة عمل سنوياً اعتباراً من عام 2017.

هذه الطريقة تبسط وتمهد من القرارات الواجب اتخاذها لتحقيق هذا الهدف، ويجب أن يكون الهدف محددا وواضحا، فما ينفعش تيجي الحكومة تقول: «هدفنا التشغيل» وتسكت، أو «هدفنا إصلاح التعليم» وتسكت، أو «هدفنا القضاء علي البطالة» وتسكت... الرؤية تعني وضوح الهدف وإمكانية قياسه، تحديد الرؤية من ناحية تانية: تحفز الناس وأصحاب القرار علي التحرك واتخاذ قرارات في الاتجاه الصحيح.

فلو أن لدينا رؤية واضحة بشأن العشوائيات، فهذه الرؤية تعني أنه بعام 2018 سينخفض عدد العشوائيات إلي 50 فقط، فهذا لا يعني إصلاح ما هو قائم، أو هدم بعضها أو إجراء عملية إحلال وتبديل، بل أيضاً العمل علي تجنب وجود أو توسع عشوائيات قائمة من خلال إجراءات وآليات محددة.

وأخيراً، فإن تحديد الرؤية يساعد علي التنسيق بين تحركات وقرارات العشرات بل المئات من الهيئات والأجهزة الحكومية وآلاف العاملين في هذه الجهات.

فعلي سبيل المثال، لولم تكن السياسات المالية والضريبية لوزارة المالية متسقة مع سياسات وزارة الاستثمار وسياسات وزارة الخارجية والصناعة، والسياسات النقدية للبنك المركزي، فإن النتيجة ستكون جزرا منعزلة وقرارات تسير عكس بعضها البعض، وهذا في رأيي ما يحدث الآن بالضبط داخل الحكومة المصرية.

والرؤية لدي الحكومة يجب أن تكون واضحة ومحددة، وجاذبة لعموم الشعب إلي الالتفاف حولها ودعمها، وقابلة للتحقيق والتحقق من تنفيذها، ويجب أن تكون مرنة تسمح للتنفيذيين باتخاذ قرارات متنوعة تحقق هذه الرؤية، ويمكن محاسبتهم علي مالم يتم تحقيقه منها. كل وزير وكل رئيس هيئة لازم يكون عنده أهداف تفصيلية محددة له يحاسب عليها سنوياً إذا لم تحقق يتم إقصاؤه، والمسئولية يجب أن تكون تضامنية بين كل مجموعة من الوزراء لضمان التنسيق بينهم، فوزير المالية شأنه شأن وزير الاستثمار ووزير التجارة مسئول عن زيادة معدل النمو الاقتصادي ورفع معدلات الاستثمار.

نحتاج إلي رؤية في أي منحي من مناحي العمل الحكومي، في التعليم، والسياحة، والاستثمار، والسياسات المالية، والصحة، والمرافق العامة، والبحث العلمي، والآثار... إلي آخره، ويجب أن يكون لنا أولويات؛ فالعمل بدون أولويات يجعل الإصلاح مستحيل.

وسؤال ختامي: أين نحن الآن من مشروع المليون فدان زراعي، ولماذا أخفقنا بشأن الألف مصنع؟ نحتاج إجابة.

وللحديث بقية... اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

0 التعليقات:

إرسال تعليق