الخميس، 25 يونيو 2015

قناة السويس الجديدة، وقطاع الكهرباء .. دلالات إيجابية في زمن صعب

 
جريدة الاخبار - 25/6/2015

في المقال السابق، أشرت إلي أهمية تطوير أساليب الإدارة للمؤسسات والأجهزة الحكومية، وأنه آن الأوان لاتباع أسلوب إدارة «الرؤية»، وهو ما يعني تحديد أهداف واضحة للمستقبل وإسناد المهمة التنفيذية لمن هو قادر علي تنفيذ هذه الرؤية. وأكدنا علي أن هذا الأسلوب يمكن معه نقل مصر نقلة نوعية في وقت قياسي، شريطة أن تكون هذه الرؤية محددة وقابلة للقياس، وأن تكون آثارها الإيجابية واضحة لعموم الناس.

والحقيقة أن لدينا مثالين ناجحين علي هذا الأسلوب الأمثل للإدارة، وأنه في أقل من عام واحد حققنا ما يشبه المعجزة بكل المقاييس.

المثال الأول هو قناة السويس الجديدة، فالفكرة بدأت منذ عام حين طرح الفريق مميش رؤية واضحة تتمثل في ضرورة أن تكون قناة السويس قادرة علي المنافسة لخدمة أجيال قادمة وقادرة علي استيعاب التطوير السريع في حجم السفن العالمية وزيادة القدرة الاستيعابية للقناة، ومواجهة أية منافسة أو مشروعات لقنوات بديلة أو طرق برية بديلة كخط السكة الحديد المزمع إقامته للربط من إسرائيل حتي الصين.

ففكرة حفر قناة موازية بطول 37 كيلومتراً مربعاً وعرض أربعمائة متر وعمق يستوعب السفن العملاقة وناقلات البترول هو رؤية استراتيجية للحفاظ علي قناة السويس باعتبارها محوراً رئيسياً للتجارة العالمية، وحفاظاً علي ثروة قومية وتنميتها.

وحينما تكون الرؤية واضحة يكون القرار السياسي سهلاً وحاسماً وواضحاً، وهنا كان قرار الرئيس السيسي قاطعاً بإعطاء الضوء الأخضر للتنفيذ، وفي زمن قياسي.
وحينما تكون الرؤية واضحة من الناحيتين الفنية والسياسية يكون الدعم الشعبي قوياً ومضموناً، وهو ما تمثل في الإقبال الشعبي علي السندات التي بلغت 64 مليار جنيه، وفي اعتبار المشروع مشروعاً قومياً لأجيال قادمة.

لقد سعدت وشرفت بالمرور بالقناة الجديدة أمس، والمشروع قارب علي نهايته. وهناك أمور كثيرة تعكس في رأيي النجاح، وهي ليست فقط عملية الحفر، وإنما الأهم العملية اللوجستية الخاصة بنقل العمال وإعاشتهم سواء في فنادق عائمة أو في أماكن مخصصة، وهم عشرات الآلاف، تابعت بانبهار إجراءات السلامة، وأنا أشاهد (45) حفاراً عملاقاً، كانت الساعة حوالي الثالثة بعد الظهر، تمر بالقناة الجميع يعمل بسلاسة وبهمة وهدوء وكأنك لست في موقع عمل، وإنما في نزهة بحرية خلابة. هذا هو النجاح الحقيقي في رأيي للإدارة، تمر بالموقع دون أدني مساس بالملاحة في القناة الأصلية.

مشروع القناة الجديدة يرتبط معه تنمية 461 كيلومتراً مربعاً لإنشاء مناطق صناعية وتجارية قادرة علي جذب ما لا يقل عن 30 مليار دولار من الاستثمارات المباشرة خلال الخمس سنوات القادمة تساهم في خلق ما لا يقل عن خمسمائة ألف فرصة عمل.

فحفر قناة السويس الجديدة مصحوب برؤي اقتصادية واجتماعية مهمة لا تقل أهمية عن القناة الجديدة ذاتها، أهمها زيادة معدل التشغيل وخفض معدل البطالة، وزيادة معدل النمو الاقتصادي، وزيادة قدرة مصر التصديرية، وإعادة بناء أسطول تجاري يساهم في رفع القدرة التنافسية لمصر، وخفض العجز في الميزان التجاري.

بالمناسبة إن حفر القناة الجديدة وتطوير وتنمية منطقة قناة السويس هو تنفيذ لالتزام واستحقاق دستوري، فالمادة (43) من الدستور الجديد تنص علي «التزام الدولة بحماية قناة السويس وتنميتها، والحفاظ عليها بصفتها ممراً مائياً دولياً مملوكاً لها كما تلتزم بتنمية قطاع القناة باعتباره مركزاً اقتصادياً متميزاً.

إن حفر قناة السويس الجديدة مشروع قومي وليس مجرد تفريعة كما يقول البعض للانتقاص من الإنجاز، ومحاولة جلد الذات. لدينا سلبيات كثيرة، ولكن إذا اتبعنا أسلوب الإدارة الحديثة برؤية سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، وآليات للمتابعة التنفيذية سنكون قادرين علي تحقيق إنجازات تفوق كل توقعاتنا، علينا أن نؤمن بأنه لا بديل عن الإصلاح المؤسسي والإدارة الجيدة لتحقيق التنمية.

مثال آخر رائع علي إمكانية النجاح والتحول السريع. وهو ما يجري الآن في قطاع الكهرباء، الجميع يتذكر انقطاعات الكهرباء، ومآسي المستشفيات والبيوت وتوقف المصانع، وتعطل ماكينات الري وكيف أن محطات الكهرباء الحكومية كانت تعمل بأقل من 30% من طاقاتها الإنتاجية بسبب التوقف عن صيانتها. مرة أخري، توفرت رؤية واضحة نحو زيادة الطاقة الإنتاجية للكهرباء، وتوفرت خطة تنفيذية عملية مدروسة لأعمال الصيانة، ورفع الكفاءة الإنتاجية، وتحرير سعر التعريفة علي الشرائح الفنية والأكثر استهلاكاً، وتم وضع منظومة منضبطة لتوسيع دور القطاع الخاص في عملية إنتاج وتوزيع الكهرباء، وطرح مشروعات جادة للطاقة المتجددة، والحد من نزيف الدعم، وتوسيع قدرة الشبكة القومية، فكانت المحصلة في أقل من عام تقريباً، هو الحد من ظاهرة الانقطاع الكهربائي، وزيادة الطاقة الإنتاجية، إن مشكلة مصر خلال عامين من الآن ستتحول من قلة الطاقة الكهربائية المتاحة، إلي زيادة في الطاقة المتاحة!! وهو ما سيستلزم إعادة النظر في سياسات تصدير الطاقة والتصنيع ويساهم في خطط التطوير الزراعي.

مرة أخري الإصلاح المؤسسي والإدارة الجيدة والرؤية الواضحة والدعم السياسي كانت عوامل لتحقيق معجزة في عام واحد.. وبالمناسبة أيضاً فإن خطة وزارة الكهرباء في دعم التوسع في استخدام الطاقة المتجددة هو تنفيذ لالتزام دستوري جاء في المادة 32/2 من الدستور الجديد، والتي تنص علي التزام الدولة «بالعمل علي الاستغلال الأمثل لمصادر الطاقة المتجددة، وتحفيز الاستثمار فيها».

ليست كل الأمور حولنا سيئة بل هناك أمثلة إيجابية ونجاحات تتبلور علي أرض الواقع. آمل أن نشهد طفرة حقيقية في القطاع الصناعي والتعليم خلال العامين القادمين، نحن قادرون علي النجاح إن شئنا. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

الخميس، 18 يونيو 2015

ما هي أهمية الرؤية الحكومية ومعناها؟

جريدة الاخبار - 18/6/2015

لنفترض أن هناك 3 مجموعات من الأفراد متواجدة في إحدي الحدائق، وبدأت عاصفة رعدية تنذر بأمطار غزيرة، فقام رئيس المجموعة الأولي بالوقوف وصاح في أعضاء مجموعته: «اجروا ورايا فوراً»، وابتدي يزعق في الناس اللي ما قاموش معاه.

أما رئيس المجموعة الثانية فقام بهدوء وقال لأعضاء مجموعته: «آدي الخطة، كل واحد منا هيقوم يقف ومافيش داعي للجري، وكل واحد ياخد معاه حاجته واتأكدوا انكم ماسبتوش حاجة أو أي متعلقات، وهنمشي بهدوء لغاية ما نوصل لشجرة التوت، وياريت كل واحد يسيب خطوتين بينه وبين اللي جنبه، ولما هنوصله نعمل كذا وكذا...وأنا أتابع مع واحد واحد بيعمل أيه

أما رئيس المجموعة الثالثة فقال لأعضاء مجموعته: «الدنيا هتمطر بعد بضع دقائق، إيه رأيكم نتحرك لهناك ونقعد تحت شجرة التوت الضخمة دي، وبكده مش هنغرق من المطرة وهنعرف ناخد غدانا ونحلي كمان من شجرة التوت».

رئيس كل مجموعة من الثلاثة كان عاوز ينقذ مجموعته من الأمطار، ولكن الفارق بينهم جوهري الأول: أسلوب الإدارة الديكتاتوري المفتقر إلي رؤية واضحة، المهم نبعد ونجري عن المطر، إزاي؟ مش مهم، ولم يطلع أعضاء مجموعته علي هدفه، وما هي الفائدة التي تعود عليهم، واعتمد علي اصدار قرارات فورية.

أما رئيس المجموعة الثانية فأدار المسألة بشكل تفصيلي، ولم يعط أي دور لأعضاء مجموعته وألغي دورهم تماماً، وأعتمد علي فلسفة الإدارة الفوقية التفصيلية  Micro Management.

أما رئيس المجموعة الثالثة فوضع رؤية - أي هدف واضح جداً في المستقبل، والنتائج والآثار الإيجابية لهذا التحرك والواجب الوصول إليها، ودون أن يغرق نفسه وغيره في التفاصيل.

وهذا ما نريده من الحكومة، أن تتبع الأسلوب الثالث مع وزرائها وأجهزتها التنفيذية. لا يمكن تحقيق الإصلاح الاقتصادي أو الاجتماعي بمجرد تعليمات وقرارات فوقية -كما حدث في الطريقة الأولي- ولايمكن تحقيق نجاحات حقيقية -كما في الطريقة الثانية-بأن يقوم رئيس المجموعة أو يحاول أن يدير كل شيء وأن يتابع كل التفاصيل، فهذا سيعيق الإصلاح بشكل سريع، وسيجعل الجميع في انتظار تعليمات محددة حتي يتحرك، ولن يتحرك أحد من نفسه. أكيد المتابعة التفصيلية من القيادة ستحقق نتائج إيجابية في بعض المناطق والجهات، ولكن لن تحقق التغيير الشامل، وإنما تغيير أو إصلاح جزئي.

أما التغيير الحقيقي وتجاوز حائط الصد البيروقراطي فلن يحدث إلا باتباع الأسلوب الثالث في الإدارة، هذا الأسلوب يعتمد علي وجود رؤية واضحة وآليات للمتابعة، ومشاركة للتنفيذين في أتخاذ القرار.

الرؤية تعني وضوح صورة المستقبل، مع التوضيح لعموم الناس لماذا يجب أن يعمل الجميع علي تحقيق هذا المستقبل.


الرؤية الجيدة تستهدف تحقيق أغراضا ثلاثة: الأول: توضيح الاتجاه العام للتغيير، مثل أن يقال نريد أن يكون ترتيب مصر رقم (80) علي مستوي العالم من حيث جودة التعليم الأساسي بدلاً من الترتيب الحالي رقم (141)، وذلك خلال 3 سنوات. أو أن نقول أننا نحتاج أن يصل معدل البطالة إلي 9% خلال 3 سنوات من الآن بدلاً من 13،5%. أو أن أخلق مليون فرصة عمل سنوياً اعتباراً من عام 2017.

هذه الطريقة تبسط وتمهد من القرارات الواجب اتخاذها لتحقيق هذا الهدف، ويجب أن يكون الهدف محددا وواضحا، فما ينفعش تيجي الحكومة تقول: «هدفنا التشغيل» وتسكت، أو «هدفنا إصلاح التعليم» وتسكت، أو «هدفنا القضاء علي البطالة» وتسكت... الرؤية تعني وضوح الهدف وإمكانية قياسه، تحديد الرؤية من ناحية تانية: تحفز الناس وأصحاب القرار علي التحرك واتخاذ قرارات في الاتجاه الصحيح.

فلو أن لدينا رؤية واضحة بشأن العشوائيات، فهذه الرؤية تعني أنه بعام 2018 سينخفض عدد العشوائيات إلي 50 فقط، فهذا لا يعني إصلاح ما هو قائم، أو هدم بعضها أو إجراء عملية إحلال وتبديل، بل أيضاً العمل علي تجنب وجود أو توسع عشوائيات قائمة من خلال إجراءات وآليات محددة.

وأخيراً، فإن تحديد الرؤية يساعد علي التنسيق بين تحركات وقرارات العشرات بل المئات من الهيئات والأجهزة الحكومية وآلاف العاملين في هذه الجهات.

فعلي سبيل المثال، لولم تكن السياسات المالية والضريبية لوزارة المالية متسقة مع سياسات وزارة الاستثمار وسياسات وزارة الخارجية والصناعة، والسياسات النقدية للبنك المركزي، فإن النتيجة ستكون جزرا منعزلة وقرارات تسير عكس بعضها البعض، وهذا في رأيي ما يحدث الآن بالضبط داخل الحكومة المصرية.

والرؤية لدي الحكومة يجب أن تكون واضحة ومحددة، وجاذبة لعموم الشعب إلي الالتفاف حولها ودعمها، وقابلة للتحقيق والتحقق من تنفيذها، ويجب أن تكون مرنة تسمح للتنفيذيين باتخاذ قرارات متنوعة تحقق هذه الرؤية، ويمكن محاسبتهم علي مالم يتم تحقيقه منها. كل وزير وكل رئيس هيئة لازم يكون عنده أهداف تفصيلية محددة له يحاسب عليها سنوياً إذا لم تحقق يتم إقصاؤه، والمسئولية يجب أن تكون تضامنية بين كل مجموعة من الوزراء لضمان التنسيق بينهم، فوزير المالية شأنه شأن وزير الاستثمار ووزير التجارة مسئول عن زيادة معدل النمو الاقتصادي ورفع معدلات الاستثمار.

نحتاج إلي رؤية في أي منحي من مناحي العمل الحكومي، في التعليم، والسياحة، والاستثمار، والسياسات المالية، والصحة، والمرافق العامة، والبحث العلمي، والآثار... إلي آخره، ويجب أن يكون لنا أولويات؛ فالعمل بدون أولويات يجعل الإصلاح مستحيل.

وسؤال ختامي: أين نحن الآن من مشروع المليون فدان زراعي، ولماذا أخفقنا بشأن الألف مصنع؟ نحتاج إجابة.

وللحديث بقية... اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 11 يونيو 2015

صندوق تحيا مصر والاستثمار البشري

جريدة الاخبار - 11/6/2015

أشرف بعضوية مجلس أمناء إحدي الجمعيات الأهلية، والتي أسستها إحدي الشركات المصرية المعروفة. وقد تأسست هذه المؤسسة التي لا تستهدف الربح عام 2007. وقد قامت هذه الشركة بالتبرع لجمعية القلعة التي أسستها بمبلغ 50 مليون جنيه، علي أن تقوم الجمعية باستثمار هذه المبالغ، واستخدام عائد الاستثمار السنوي في تقديم منح دراسية للمصريين الشباب غير القادرين مالياً علي مواصلة الدراسات العليا في الخارج. وهذه المنح يصل عددها سنوياً إلي حوالي 20 منحة. ورغم تقديم منح لأكثر من 150 طالبا علي مدار السنوات الثماني الماضية، فإن أصل المبلغ المتبَرع به قد زاد ولم ينقص نتيجة استثماره بشكل احترافي وحكيم. وقد شاركت هذا العام في اختيار ومناقشة المتقدمين للمنح الدراسية، وبلغ عدد أصحاب المنح (17) تم اختيارهم من مئات المتقدمين.

وهؤلاء الشباب تم بالفعل قبولهم في أفضل الجامعات في العالم، منها جامعة كامبردج، وكلية لندن للاقتصاد، وجامعة هارفارد، وبيركلي، وغيرها من الجامعات الرائدة في العالم. وتنوعت الاختصاصات؛ منها دراسات متخصصة في التعليم، والتنمية البشرية، والإدارة، والطب، والهندسة، والكمبيوتر، والتأليف الموسيقي، والحقوق، والاقتصاد، والجيولوجيا، وغيرها من التخصصات. وكثير ممن تم اختيارهم هذا العام يعملون بجهات حكومية ومؤسسات المجتمع المدني.

واللقاء بهؤلاء الشباب يعطي جرعة إيجابية وتفاؤلية بالمستقبل القريب، وجميعهم لديهم طموحاتهم لبناء مصر جديدة، وجميعهم مؤهلون للقيادة. وأصحاب رؤية في مجال تخصصاتهم وقد استمعت أيضاً لبعض العائدين من دراساتهم، وتابعت تقارير عن مدي تفوقهم في الخارج وإنجازاتهم في الداخل.. وتتراوح أعمار هؤلاء الشباب بين 24 عاماً و27 عاماً تقريباً.. والمنح تقدم لدراسة الماجستير وليس الدكتوراه، وتغطي نفقات الدراسة والمعيشة الكريمة بالكامل خلال فترة الدراسة.

كل ما تطلبه المؤسسة من هؤلاء الشباب النابه؛ هو العودة إلي مصر والعمل بها علي الأقل مدة ثلاث سنوات. فالالتزام أقرب إلي أن يكون التزاما أدبيا منه التزام قانوني. والحقيقة أن نسبة الالتزام بين هؤلاء الشباب تجاوزت علي مدار الـ 8 سنوات الماضية الـ 95%، ولا توجد سوي حالتين استمر أصحابهما في الخارج ولأسباب معقولة، حيث تم حصولهم علي منح للدكتوراه من جامعاتهم في الخارج.

هذا النموذج لهذه الجمعية هو تطبيق كامل لفكرة «الاستثمار البشري» الذي هو أهم صور الاستثمار. الاستثمار في الإنسان المصري هو الشيء الوحيد والضمانة الأساسية لنمو هذا المجتمع. هذا النموذج أيضاً تطبيق بدرجة امتياز لفكرة «المسئولية الاجتماعية» للشركات ورجال الأعمال، فمثل هذه المساهمات الإيجابية في بناء المجتمع هي التي تصحح الصورة الذهنية الخاطئة -في رأيي- التي تولدت لدي عموم الشعب المصري لرجال الأعمال والشركات الصناعية والاستثمارية. وأرجو مخلصاً من الإعلام المصري أن يفرد مساحة لعرض هذه النماذج الايجابية. وبالمناسبة مؤسسة القلعة ليست الوحيدة في هذا المجال، فسبقتها بخمس سنوات تقريباً مؤسسة ساويرس، وأنا علي يقين أن هناك مؤسسات خاصة أخري تعمل في ذات المجال، فهناك مؤسسة أيضاً أسسها بعض رجال الأعمال تعطي منحاً دراسية سنوية لتطوير مهنة التمريض في مصر.

في هذا السياق لي مقترح محدد لصندوق تحيا مصر، وهو أن يخصص من موازنته السنوية مبلغاً يستثمر بشكل مستقل واحترافي، ويخصص عائده السنوي لمنح دراسية في حدود مائة منحة سنوية في دراسات الماجستير والدراسات التطبيقية للشباب المصري من العاملين بمؤسسات الدولة المختلفة، كوزارة الكهرباء، أو البترول، أو التعليم، أو الري، أو النقل، أو التخطيط، أو الاستثمار. وأن يركز هذا البرنامج علي تأهيلهم أيضاً للقيادة الإدارية في مجال تخصصهم. وحتي لا يتوهوا بعد عودتهم أو يتم اضطهادهم لابد من إنشاء بنك للمعلومات يضم هؤلاء وخبراتهم، ولابد من الحرص علي تسكينهم داخل مؤسساتهم بشكل احترافي، واستمرار عملية التأهيل لهم للقيادة في المستقبل ومتابعتهم بشكل دوري. الاستثمار في العقول أفضل بكثير لمصر من الاستثمار في الأسمنت- رغم أهمية الأخير وضروريته في عملية البناء والتنمية. أرجو من صندوق تحيا مصر ألا يلتفت عن هذه الفكرة وأن يدرسها بعناية، وأن يكون له دور في تأهيل جيل قيادي للمستقبل القريب.

وفي هذا السياق أيضاً أرجو من السيد وزير التعليم العالي إعادة النظر في برامج المنح الدراسية للجامعات، لا شك أن هذه المنح أصبحت شحيحة جداً، فبعض المعيدين والمدرسين المساعدين تخرجوا منذ أكثر من عشر سنين ولايزالون في انتظار المنحة الدراسية ولو بالنظام المعروف باسم الإشراف المشترك، وهو نظام عقيم، وغير مفيد إذا طبق منفرداً.

مقترحي يتخلص في أن توجه وتركز إدارة البعثات علي منح دراسية في الماجستير في كبري الجامعات العالمية، والتوقف عن منح الدكتوراه في المرحلة الحالية. يستهدف هذا الاقتراح الآتي: توسيع قاعدة الاستفادة من الموارد المحدودة، لأن طالب الدكتوراه يُنفَق عليه ما يعادل الإنفاق علي أربعة أو خمسة طلاب ماجستير أو دراسة تطبيقية. ومنح الماجستير فوائدها العلمية ليست قليلة، فطالب الماجستير لن ينجح إلا إذا كان يجيد لغة الدراسة، وسيكون مضطراً للانخراط في المجتمع الذي يعيش فيه، وسيكون مؤهلاً بسهولة بعد الحصول علي الماجستير للاستمرار في الدكتوراه لغةً وعلماً وكيفاً، وسيكون من السهل عليه مواصلة البحث العلمي حتي ولو كان في مصر. وهنا فقط يمكن المزج بين نظامين: منحة ماجستير كاملة، ومنحة لمدة سنة لدراسة الدكتوراه بنظام الإشراف المشترك.

أرجو من وزير التعليم العالي مناقشة هذا الاقتراح، فالعالم يجري من حولنا، ولا أمل لنا لتحقيق التقدم إلا من خلال تطوير منظومة التعليم المصري، والاستثمار في العقول البشرية. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 4 يونيو 2015

المستثمرون العرب والأجانب .. نظرة تفاؤل

جريدة الاخبار - 4/6/2015

سافرت إلي دبي لإلقاء كلمة عن فرص الاستثمار في مصر، وقد تلقيت هذه الدعوة من أحد البنوك التجارية العالمية، وكان المدعوون الرؤساء التنفيذيين والمديرين الماليين لكبري الشركات العالمية، وصناديق الاستثمار المباشر.

وكان الانطباع العام لديّ أن المستثمرين الأجانب والعرب ينظرون إلي المستقبل في مصر بشكل إيجابي وبنظرة أكثر تفاؤلاً منّا نحن المصريين، وأن مصر لا تزال محطا للاهتمام الحقيقي. وكان لدي الجميع تساؤلات كثيرة كان أهمها: هل تري رغم كل التحديات أنه لا تزال هناك فرص حقيقية للاستثمار؟ وكانت إجابتي أن مصر رغم كل شيء لا تزال الدولة رقم (1) المؤهلة للنمو والقدرة علي جذب الاستثمار في العالم العربي، وأننا لو أحسنّا إدارة مواردنا وعملنا علي الإصلاح المؤسسي بشكل أكثر جدية فسنكون من أقوي 30 اقتصاداً علي مستوي العالم بحلول عام 2030، أي في أقل من خمسة عشر عاماً. هذا حلم قابل للتحول إلي واقع، وإنني أدرك التحديات ومنها سوء الحالة الإدارية للدولة والبيروقراطية وتردي كفاءة العمالة ومشكلات الطاقة ومع ذلك فإن لدينا كافة المقومات لتحقيق الحلم. فهناك تنوع في الأنشطة الاقتصادية في مصر غير متوافر في أي مكان آخر، فهناك مقومات لتطوير النشاط الصناعي بكافة صوره، ونشاط الخدمات، وقطاع الاتصالات، والبنية الأساسية، والتنمية الزراعية، ونشاط التعدين، والتنمية العقارية، والنشاط السياحي... إلخ.



ولا يزال هناك سوق قابل للنمو واستيعاب كافة المنتجات، وقادر علي التصدير. وحتي هذه اللحظة لم نستغل الموقع الجغرافي لمصر، وقناة السويس، وموانينا البحرية التي تجعل من مصر مركزاً حيوياً للتجارة العالمية، وتفتح أمام العالم الأسواق في كل القارات.

ورغم كل المخاطر السياسية والقانونية التي تحيق بالاستثمار في مصر، فلا يزال عائد الاستثمار من أعلي العوائد، وهو ما يجعل مصر مركزاً مهماً لجذب الاستثمار.

من الأسئلة التي طرحها المستثمرون كذلك؛ إلي متي ستظل الحكومة تفرض قيوداً علي تحويل الأرباح والعملة الأجنبية إلي الخارج؟ وكان ردي أنه لا توجد أية قيود قانونية علي تحويل الأرباح إلي الخارج، ولا توجد أي موانع قانونية تحدّ من حق الأجانب في تحويل أرباحهم أو أموالهم إلي عملة أجنبية وتحويلها إلي الخارج، ولكن الصعوبات عملية نتيجة عدم توافر سيولة من النقد الأجنبي وشُح العملة، وهو ما يأخذ وقتاً حتي يتم توفير العملة ليضطر المستثمر إلي الوقوف في الطابور. وهي أزمة طارئة، وسبق أن تعرضت مصر عام 2003 لأزمة مشابهة وكانت أكثر قسوة وأنه بمجرد تحسن الوضع الاقتصادي بنهاية 2004 وتدفق الاستثمار وتوافر السيولة النقدية انتهت المشكلة. وقلت إنه في ظل ثورتين متتاليتين لم يمنع أجنبي أو مصري من تحويل أمواله إلي خارج مصر، وقلت إن لديّ قناعة أنه لن يمنع أحد في المستقبل من ذلك. ولكن ما نتعرض له سيزول بتحسن الوضع الاقتصادي، وقلت إن هذه الأزمة في رأيي ستزول في أقل من عام من الآن.

ومن الأسئلة التي لاتزال تحيّر كثيرا من المستثمرين والشركات العالمية العاملة في مجال التجارة الدولية؛ هو سياسات البنك المركزي بشأن وضع حد أقصي علي الإيداع بالبنوك بالعملة الأجنبية، وعدم توفير العملة الأجنبية بالبنوك لكثير من الأنشطة باعتبارها ليست من الأنشطة الاقتصادية ذات الأولوية. وقد أثر ذلك سلباً علي كثير من القطاعات - ومنها استيراد السيارات - إلي الحد الذي توقف معه وكلاء شركة مرسيدس عن الاستيراد، وهذه مسألة مختلفة عن توقف مرسيدس ذاتها عن الإنتاج في مصر.

وكان ردي باختصار، أن سياسة البنك المركزي في هذا الشأن كانت تستهدف في المقام الأول محاصرة السوق السوداء، إلا أن تبعية هذه السياسات أرهقت كافة القطاعات، وأثرت سلباً علي العديد من المصانع وقدرتها علي الإنتاج، بما فيها مصانع قطاع الأعمال العام، كما حدث مع الشركة الشرقية للدخان، علي الرغم من أن عوائدها لا تقل عن 75% من إجمالي أرباح شركات قطاع الأعمال العام مجتمعة. وفي رأيي أن البنك المركزي سيبدأ تدريجياً في التخفيف من حدة الآثار السلبية خلال الشهور الثلاثة القادمة، فالطريقة الوحيدة الممكنة للقضاء علي السوق السوداء هو تغيير العملة الأجنبية من خلال البنوك. فطالما يوجد عجز في العملة لدي البنوك فسيوجد سوق سوداء، وطالما يوجد سعران لأي سلعة أو خدمة - سعر حقيقي وسعر غير حقيقي- فسيكون هناك سوق سوداء.

ومن الأمور التي لاتزال محيرة، هو ما يتعلق بأزمة الضريبة علي البورصة، وشرحت التفاصيل التي أحاطت بهذا الأمر، ولي رجاء عند الحكومة أن تدرس الأمر بشكل احترافيي، وأن تستعين بأصحاب الخبرة قبل إصدار القانون الخاص بوقف ضريبة الأرباح الرأسمالية بالبورصة لمدة عامين. فقد أزعجتني بعض التصريحات المنسوبة لوزير الاستثمار - التي أتمني أن تكون غير صحيحة - عن نية الحكومة في عدم سداد ما تم تحصيله تحت حساب الضريبة من الأجانب خلال الفترة من صدور القانون بالضريبة وحتي صدور القانون بوقف الضريبة... هذا كلام غير قانوني، فما تم تحصيله كان تحت حساب الضريبة، وبأي منطق تحصّل الحكومة ضريبة من الأجانب فقط دون المصريين علي نفس المعاملة؟ رجاء تعاملوا مع الأمر بحذر.
خلاصة رحلتي القصيرة وحواري مع المستثمرين العرب والأجانب علي حد سواء أن الجميع يتطلع إلي الولاية الأولي للرئيس السيسي في الجمهورية الرابعة بتفاؤل وأمل وثقة نحو تحقيق التنمية والنمو. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 28 مايو 2015

مولد «الحاجة» ضريبة البورصة


جريدة الاخبار - 28/5/2015

تعود جذور الحكاية إلي سنوات عديدة عندما أعفي قانون الضرائب الصادر سنة 2005، ومن قبله قانون 157 لسنة 1981 الأرباح الناشئة عن التداول بالبورصة من ضريبة الأرباح الرأسمالية. والإعفاء لم يقتصر علي الأرباح الناشئة عن عمليات الشراء والبيع بالبورصة؛ بل امتد ليشمل أية توزيعات أرباح للمساهمين.

والسؤال: لماذا قرر المشرع المصري إعفاء أرباح البورصة من الضريبة؟ والإجابة أن هذه الإعفاءات جاءت بهدف تشجيع التعامل بالبورصة وتنميتها.

فالبورصة وسيلة من وسائل الاستثمار المباشر وخاصة بالنسبة لتأسيس الشركات وزيادة رؤوس الأموال، وهو ما يعرف باسم سوق الإصدار، أي إصدار أوراق مالية جديدة. كما أن الأصل في البورصة أنها ترفع من درجة الإفصاح، وقواعد الحوكمة علي نحو يحمي مصالح المساهمين، كما أنها تمثل الطريق الطبيعي نحو توسيع قاعدة الملكية في شركات قطاع الأعمال العام.

وهذه الإعفاءات بطبيعتها استثناء علي الأصل، ومؤقتة بحيث أنها تدعم من إنشاء البورصة الصاعدة لفترة قد تصل إلي عشرة أو عشرين عاماً، ولكن العدالة الاجتماعية وحسن إدارة موارد الدولة يقضي -بعد استقرار الأوضاع الاقتصادية ونمو البورصة- أن تخضع أرباح التداول والتوزيعات النقدية للضريبة، وهذا ما تأخذ به الآن معظم تشريعات العالم المعاصر. إذاً فرض ضريبة علي أرباح البورصة أمر طبيعي وتأخذ به معظم تشريعات العالم.

إذا كان ذلك كذلك فلماذا قامت الدنيا ولم تقعد حتي تم إرجاء تطبيق الضريبة؟ لا شك أن هناك أصحاب مصالح لم يكونوا سعداء بإخضاع أرباحهم لضريبة، ولكن كانت هناك اعتراضات أيضاً ارتبطت بالمصلحة العامة. وقد كنت أنا شخصياً من المعترضين، وكان اعتراضي ليس علي مبدأ فرض ضريبة الأرباح الرأسمالية علي تداول الأسهم، فهي ضريبة عادلة وضرورية في رأيي، ولكني اعترضت علي وقت التطبيق وطريقته. وكنت أري،ولاأزال أن المشكلة عند صانع القرار للسياسات الضريبية في مصر؛ هو أنه يركز فقط علي الحصيلة دونالنظر لآثار سياساته علي التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وقلت منذ البداية أن توقيت فرض الضريبة يضر بنمو البورصة، وبمناخ الاستثمار في مصر، لأن حجم البورصة المصرية -وقت فرض الضريبة- كان في أضعف حالاته، وكان من شأن فرض الضريبة الحد من سيولة البورصة. أيضاً من أسباب اعتراضاتي أن هناك صعوبة في تطبيق عملية احتساب الأرباح وتحصيلها، وأن هذه المسألة تحتاج إلي بنية أساسية غير متوفرة الآن لدي مصر للمقاصة، ولا لدي مصلحة الضرائب. ومن ثم وجب تهيئة البنية الأساسية والمعايير اللازمة لتطبيق الضريبة بكفاءة، وحتي لا تكون المسألة محلاً للفوضي والتقديرات الجزافية، وهو ما يؤثر سلباً علي مناخ الاستثمار.

أيضاً من أسباب الاعتراض علي توقيت فرض الضريبة هو أزمة الدولار، فالمستثمر الأجنبي بالبورصة عادة مستثمر قصير الأجل، وتعد ميزة البورصة بالنسبة إليه هي حرية الدخول والخروج من سوق التداول في أي لحظة. ومع أزمة الدولار أصبح المستثمر الأجنبي أو العربي في البورصة ينتظر في الطابور لفترة طويلة حتي يتمكن من تحصيل الدولار بعد بيع أسهمه، ومن ثم فقدت البورصة المصرية إحدي مزايا البورصات الأخري، وبالتالي فإن فرض ضرائب يقلل من الاستثمار في البورصة المصرية. وقلت أيضاً قبل إصدار هذه الضريبة أن الأسواق المنافسة لنا في معظمها -سواء في الخليج أو في شرق آسيا- لا تفرض حالياً هذه الضريبة.

وطرحنا بدائل مختلفة علي الحكومة قبل إصدار القانون الجديد، أهمها أن تصدر الضريبة علي أرباح التداول بسعر (صفر)، وهو ما يعني إقرار مبدأ الضريبة مع ترك التوقيت المناسب في التطبيق وتحديد السعر وفقاً للظروف الاقتصادية، أو إقرار الضريبة بسعر 10% كما هو مقترح علي أن يبدأ التطبيق بعد عامين، وهو ما يعطي مصلحة الضرائب فرصة لتحضير البنية الأساسية، وتطبيق الضريبة دون فوضي. وفي   الحالتين، اقترحنا أن ترفع رسوم التداول المستحقة علي التداول بالبورصة من واحد في الألف إلي اثنين في الألف، ويمكن تحصيل هذه الرسوم يومياً وتوريدها إلي الخزانة العامة دون أي تأخير، وحصيلتها تزيد عن الحصيلة المتوقعة من ضريبة أرباح التداول، وهو حل مؤقت في جميع الأحوال حتي نحقق المعادلة المطلوبة من زيادة حصيلة الموارد العامة وعدم المساس بالنمو الاقتصادي والقدرة التنافسية للبورصة المصرية.

وللأسف ركبت الحكومة رأسها، وأصرت علي إصدار القانون، وبان من التطبيق صعوبة تحصيل الضريبة وتعطل اللائحة التنفيذية لمدة ستة أشهر، والخلاصة مشهد مرتبك انتهي بإعلان رئيس الحكومة تراجع الحكومة عن تطبيق الضريبة لمدة عامين، ولم يصدر القانون المنظم لتأجيل الضريبة حتي الآن. وبالمناسبة الدولة حصلت تحت حساب هذه الضريبة 6% من الأجانب، وسيترتب علي تأجيل الضريبة لمدة عامين التزام الحكومة برد هذه المبالغ للصناديق الأجنبية، وأرجو ألا تركب وزارة المالية رأسها وتقرر عدم رد هذه المبالغ مرة أخري إلي أصحابها، فالضريبة لا تستحق إلا بنهاية السنة المالية، يعني نهاية 2015، وما تم تحصيله كان لحساب الضريبة، وليس الضريبة النهائية... أرجوكم مش ناقصين نظهر بمظهر سيء تاني، ونرجع نشتكي من قلة تدفقات الاستثمار... فالمشاكل من صنع أيدينا!! اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 21 مايو 2015

لسه فيه أمل في إصلاح الشركات المملوكة للدولة

جريدة الاخبار - 21/5/2015


1- قطاع الحديد والصلب، والغزل:

يبلغ عدد الشركات القابضة 8 شركات، يتبعها 125 شركة تابعة في قطاعات التأمين والسياحة والكيماويات والتشييد والصناعات المعدنية والنقل والأدوية والغزل. هذه هي شركات قطاع الأعمال العام. وقريباً سينضم إلي هذه الشركات حوالي 8 شركات أخري نتيجة الأحكام القضائية ببطلان عقود بيع عدد من الشركات التابعة. ولا يدخل في هذا العدد شركات القطاع العام، وهي التي لا تخضع لتبعية وزارة الاستثمار بل تتبع وزارات أخري، كما هو الحال بالنسبة لشركات الطيران والملاحة الجوية والتي تتبع وزارة الطيران، وشركات البترول؛ والتي تتبع وزارة البترول، وشركات الكهرباء إنتاجاً وتوزيعاً ونقلاً وتتبع وزارة الكهرباء، وشركة المقاولون العرب التي تتبع وزارة الإسكان... وهناك شركات تابعة لوزارة التموين، وأخري لوزارة الزراعة، وهكذا...

والجميع يعلم مشكلات شركات قطاع الأعمال العام، وخاصة تلك المتعلقة بالشركات الصناعية، وأهمها شركة الحديد والصلب، وشركات الغزل. وهذه الشركات وعاملوها والشعب كانوا جميعاً ضحية سوء الإدارة.
فأزمة هذه الشركات ترجع بجذورها إلي نهاية الستينات، وتفاقمت أزمتها في منتصف الثمانينات، وكانت الضربة القاضية قد وجهت إليها في أول التسعينات من القرن الماضي. فهذه الشركات جميعها عانت من آلات ومعدات تجاوزها الزمن ولم تعد قادرة علي المنافسة في العصر الحديث. فالدولة قررت عدم تطويرها علي سند من أنها في سبيلها لخصخصتها، فتوقفت تماماً عمليات التحديث والصيانة بالمعني الدقيق، فتحولت كثير من هذه المصانع إلي كُهنَة، وصار تحديثها يحتاج إلي مليارات، فلم يتم لا تحديثها ولا صيانتها حتي، والمحصلة خسائر بالمليارات.. وتضاعفت مشكلات العمالة وتضخم عددهم بالنسبة لحجم الإنتاج. وأخطأت الدولة بتوقفها عن الاستثمار البشري، فما ينفق علي التدريب في 125 شركة من شركات قطاع الأعمال العام يقل عما يصرف علي التدريب والتأهيل في شركة واحدة من الشركات المنافسة من القطاع الخاص!!. ويضاف إلي كل ما سبق سوء حالة الإدارة وتدهورها جيلاً بعد جيل، وقد نجح وزير الاستثمار الأسبق د. محمود محيي الدين في حل مشكلة مديونية قطاع الأعمال للبنوك بشكل كبير عام 2005، بالتنسيق مع البنك المركزي ووزارة المالية. وذلك من خلال التصرف في بعض الأصول العقارية غير المنتجة، وإعادة الجدولة... إلي آخره، ولكن للأسف لم يصاحب ذلك إعادة هيكلة وتطوير لقطاعي الغزل والحديد والصلب؛ فعاد التدهور، وظل الأمر علي ما هو عليه سوء في الإدارة، وتدهور في حالات المعدات والآلات، وتضخم العمالة ومشاكلها، والمحصلة نزيف من الخسائر. وكان الله في عون وزير الاستثمار الحالي المجتهد الوزير أشرف سالمان.. إذاً ما هو الحل؟ وهل يوجد فعلاً حلول وأمل للخروج من هذه الدائرة المغلقة؟ نعم توجد حلول، ونعم يوجد أمل. ولكن الحلول تقتضي قرارات صعبة ومواجهة وحسما لمشكلات تراكمت منذ أكثر من خمسين عاماً!! استمرار إدارة قطاع الأعمال العام بآليات قانون 203 لسنة 1991 لن يحمل معه سوي المزيد من الفشل وخيبة الأمل. لابد من تحرير الإدارة من قيود القطاع العام، لابد من السماح بحلول جذرية بما فيها التقسيم لبعض هذه الشركات، ودمج البعض الآخر، وتصفية البعض، وضخ رءوس أموال جديدة في بعض الشركات، وتطبيق الهندسة المالية بحيث يتم توفير رءوس أموال لبعض هذه الشركات من خلال بيع أصولها العقارية غير المنتجة واستخدامها في زيادة رءوس أموالها، وإعادة التدريب والتأهيل للعاملين، وضخ دماء جديدة في الإدارة تنتمي للعصر الحديث، وقادرة علي المنافسة. بعض أصول هذه الشركات العقارية يتجاوز عشرات المليارات، إعادة ضخها كرءوس أموال عاملة وفقاً لخطة عمل استثمارية واضحة أمر ممكن. هناك عشرات الحلول المتاحة، ولكن يجب أن نبدأ. والآن نحن نتكلم ونكرر ذات الكلام منذ عشرات السنين. ما نعانيه الآن كان موجوداً في ماليزيا وإندونيسيا والبرازيل، ولكنهم توقفوا عن الكلام وبدأوا في الإصلاح في ذات الوقت الذي أصدرنا فيه قانون 203 لسنة 1991 بشأن قطاع الأعمال العام، فنصبنا لأنفسنا فخاً لم نخرج منه بعد!! فلنبدأ بتقييم ما لدينا من أصول ومن مزايا نسبية، ولنضع خطة التطوير، والتمويل والتدريب، ولنحرر الإدارة من القيود الروتينية، ونحطم قيود قانون 203 ونتوقف عن توزيع أرباح تصرف من اللحم الحي علي مشروعات خاسرة، وعلينا أن نبدأ في إنشاء صندوق للتطوير وإدارة المشروعات العامة وفقاً لأصول الإدارة الحديثة، كما هو الحال في نظام «خزانة» الماليزي. فلنوقف نزيف الخسارة، ولنتخلص من الأصول غير المنتجة... أقسم بالله التطور ممكن وفي أقل من 3 سنوات.

2- تطوير مركز شباب نادي الجزيرة والعدالة الاجتماعية:

أحد أهم مظاهر العدالة الاجتماعية هو المساواة بين أبناء المجتمع في الحصول علي هواء نظيف، وممارسة الرياضة، والمحافظة علي الصحة العامة. فالجميع له الحق في التعلم، والحصول علي فرصة في التنزه، ومنح أبنائه فرصة في بناء جسم سليم وعقل سليم. وتطوير مركز شباب الجزيرة بهذا الشكل الحضاري خطوة مهمة نحو تطبيق العدالة الاجتماعية، فأبناء مركز شباب الجزيرة من أحياء السيدة زينب وإمبابة والكيت كات وبولاق ووراق العرب، صاروا يتمتعون بذات الخدمات التي يتمتع بها أعضاء النادي الأهلي ونادي الجزيرة الملاصقون لهم. هذا هو مفهوم العدالة الاجتماعية، هو المساواة في حد أدني من الحقوق - ومنها ممارسة الرياضة والحق في التعلم - والحق في تكافؤ الفرص، والحق في خدمة صحية، وبعد ذلك فليتنافس المتنافسون. أرجو أن تضع وزارة الشباب خطة مماثلة للتطوير في جميع المحافظات، وهذه البداية صحيحة جداً نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، أتمني أن تكون في إطار خطة متكاملة.

3- تعديل قانون المناطق الاقتصادية الخاصة؟

المهندس/ إبراهيم محلب، سؤال بسيط، أين تعديل قانون المناطق الاقتصادية الخاصة؟ لماذا كل هذا التأخير؟ وهل هناك فعلاً لأحد مصلحة في تعطيل مشروع تنمية منطقة قناة السويس؟ لماذا المساس بمصداقية الدولة والحكومة؟ وأين قراركم بإنشاء الهيئة الجديدة لتنمية منطقة قناة السويس؟ ولماذا لم تعلن الحكومة حتي الآن عن خطة التطوير الذي أعدتها دار الهندسة؟... ولماذا تم إلغاء المزايا الضريبية رغم ان المزايا الضريبية تطبق علي المناطق الصناعية الخاصة في روسيا (13%) وتركيا (15%) وماليزيا (10%) وكوريا الجنوبية (10%) وإندونيسيا (10%) والعقبة في الأردن (5%). ولماذا نسينا أن نضيف مزايا غير ضريبية بدلاً من المزايا الضريبية المحذوفة؟ كيف سنحدث انطلاقة دون تحديد الولاية علي تراخيص الأرضي، وتحديد الجهة التي تمثل الدولة في التعاقد، ودون تحديد النظام القانوني الذي يسري علي الشركات التي تباشر نشاطها، وهل يمكن أن نشجع الاستثمار في منطقة قناة السويس ونفرض في ذات الوقت قيودا علي ملكية رأس مال الشركات الأجنبية بحيث لا تزيد ملكيتها عن 45%... هل نتوقع بعد ذلك النجاح في هذا الأمر؟ اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 14 مايو 2015

وزارة العدل !!

جريدة الاخبار - 14/5/2015

انتهي مولد تصريحات المستشار/ محفوظ صابر، وزير العدل السابق، بتقديمه استقالته من منصبه. ولا شك أن الوزير قد أخطأ سياسياً بتصريحاته غير السديدة، فالوزير هنا ـ أي وزير ـ لا يعبّر عن رأيه الشخصي، وإنما يعبّر عن السياسة الحكومية وسياسة الدولة ورؤيتها. وحينما تتضمن تصريحات الوزير إقراراً لسياسات تخلّ بمبدأ المساواة، وتمسّ بتكافؤ الفرص بين المواطنين، وتحقّر من شأن فئة من العاملين بسبب وظائفهم - وهي كلها سياسات تخالف النصوص الدستورية - فهنا يكون الوزير بتصريحاته قد خالف الدستور، وهو وزير العدل، ومن ثَمّ يكون قد ارتكب خطأً سياسياً جسيماً يستوجب استقالته، وهو ما حدث.

ولعله من اللافت للانتباه أن مسألة تعيين معاوني النيابة هي من صميم اختصاص المجلس الأعلي للقضاء وحده دون غيره، وأنه لا علاقة لوزارة العدل أساساً بهذه المسألة، ولا يجوز لها التدخل فيها، وإلا عُدَّ ذلك تدخلاً في شئون القضاء ومساساً باستقلاليته طبقاً للدستور. ومعني هذا أن وزير العدل السابق تصدي لمسألة لا تدخل أصلاً في اختصاصات وزارته.

وبعد أن استقال وزير العدل نتيجة تصديه لمسألة لا يختص بها ديوان وزارته، ولإقراره سياسات تخالف الدستور ومبادئ العدالة والمساواة، يثور تساؤل: هل ما قاله الوزير المستقيل يعكس الواقع أم يخالفه؟ إن ما قاله وزير العدل السابق هو ترديد لواقع وقناعات موجودة، وتطبق منذ عقود عديدة، ولم تتغير ولن تتغير في يوم وليلة لأنها تعكس مفاهيم اجتماعية سائدة داخل المجتمع المصري منها أن الفقير غير سوي نفسياً. وما قاله رئيس الوزراء عن رفضه لما قاله وزير عدله السابق هو تصريح سياسي سليم لتهدئة الوضع، ولكنه لا يعكس الواقع. وهذا أمر غير مسئول عنه رئيس الوزراء، ولا يستطيع تغييره في يوم وليلة. وما قاله وزير العدل يطبق في العديد من الوظائف، فهو ذات الأمر في مجلس الدولة، والشرطة، والنيابة الإدارية، والخارجية، والملحقين التجاريين في وزارة التجارة والصناعة... إلخ. والجريمة واحدة وهي أن المتقدم للوظيفة: (غير لائق اجتماعياً).

يجب أن نذهب لما هو أعمق من ذلك، ونسأل أنفسنا: لماذا لا تثار هذه الأمور في مجتمعات أخري كما هو الحال في المجتمعات الغربية بل والعديد من المجتمعات العربية؟ السبب هو انعدام العدالة الاجتماعية، وزيادة الفوارق الطبقية داخل المجتمع المصري. فمؤدي العدالة الاجتماعية - وهذا هو الدور الحقيقي للدولة - أن يكون هناك حد أدني معيشي وثقافي يشارك فيه الجميع، الفقراء والأغنياء، أن يكون هناك تناغم نفسي وثقافي بين الجميع، أن تكون هناك مشاركة في ذات نوعية الخدمات. فالفوارق المادية يجب ألا تخلق فوارق طبقية ونفسية في كل شيء. فلو أن لدينا تعليما حكوميا محترما؛ ما كنا لنجابه الآن بسيل المدارس الخاصة، وبتعدد الثقافات داخل المجتمع. لوأن لدينا تعليما جيدا لكان الكل يعلم ويقدّر قيمة العمل أياً كانت طبيعته. لو كان لدينا تعليم حكومي محترم لشارك الجميع ذات القيم الاجتماعية والثقافية، وما انعكس ذلك علي التقييم الاجتماعي.


لو أن لدينا خدمات عامة آدمية ومواصلات عامة محترمة لكان الجميع يشارك ذات الخدمات وتعودوا علي بعضهم البعض، كما يحدث في الخارج، ولكان لدي الجميع قدر من السلام الاجتماعي وقبول الآخر. لو كنا جادين في القضاء علي الأمية - بدلاً من الشعارات - لكنّا قضينا علي الفقر المدقع والجهل، وقللنا من الفوارق الطبقية بحق وحقيقي، فالجهل والفقر المدقع وجهان لعملة واحدة. لو كان فيه حد أدني للدخل وللخدمات ما كانت النظرة الدنيا للعديد من الوظائف في المجتمع، فبعض الوظائف ينظر إليها المجتمع علي أنها (شحاته).

أخطر ما نواجهه الآن هو أننا لم نعد نشارك بعضنا البعض ذات القيم الاجتماعية والثقافية والدينية، والسبب هو التعليم. كان أحد أساتذتي في المملكة المتحدة، من أكبر أساتذة القانون والمحامين، وصار قاضياً مرموقاً بعد ذلك، وكانت له ابنة تعمل معاونة لرئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت، وكان شديد السعادة والفخر وهو يتحدث عن ابنه ـ وليس ابنته - الذي قرر أن يصبح «طباخاً». وكان يشجعه علي أن ينجح في ذلك. لم تتبرأ منه العائلة أو تلفظه، ولم ترفت الحكومة أباه القاضي. يوم أن نصل إلي هذا   ولن نصل إليه إلا بإصلاح التعليم ومؤسسات الدولة - لن تكون لدينا مشكلة، ولا جريمة غير لائق اجتماعياً... وللأسف لست مطْمئناً أننا جادون في تحقيق السلام والأمن الاجتماعي بشكل جاد. هذا طريق طويل يحتاج إلي سنوات عديدة لم نبدأ فيه بعد.

بالمناسبة، كلمة إلي السيد رئيس مجلس الوزراء، ووزير العدل الجديد؛ وزارة العدل تحتاج إلي إعادة هيكلة، وإلي تطوير حقيقي لمؤسساتها التابعة لها. إدارة شئون المحاكم من الناحية الإدارية تحتاج لثورة حقيقية، وتحتاج إلي الاستعانة بفنيين ومهنيين متخصصين في الإدارة وصيانة المباني وتطويرها. العمل الأرشيفي والإلكتروني يحتاج إلي نقلة نوعية. مراكز تدريب القضاة ودعمهم بالمكتبات والمراجع الدورية بشكل إلكتروني يحتاج إلي ثورة إدارية حقيقية. لا يمكن استمرار عمل «الخبراء» بهذه الطريقة العقيمة والتقليدية، ففي ذلك مساس حقيقي بسلامة مرفق القضاء. لا أفهم لماذا تظل تبعية الشهر العقاري لوزارة العدل، تطوير الشهر العقاري نوعياً سينقل مصر معه إلي القرن الواحد والعشرين. هل وزير العدل في حاجة إلي أكثر من 20 مساعداً لوزير العدل؟ هل من المقبول أن تستمر إدارة الكسب غير المشروع تحت مظلة وزارة العدل، أم آن الأوان لكي تخضع للمجلس الأعلي للقضاء؟ فك الاشتباك بين إدارة التشريع ووزارة العدالة الانتقالية يصب في مصلحة التشريع في مصر، هناك قرارات كثيرة يتعين علي وزير العدل الجديد أن يتخذها... الله معه اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 7 مايو 2015

الإصلاح المؤسسي للحكومة يبدأ من مكتب رئيس الوزراء

جريدة الاخبار - 7/5/2015

حكومة المهندس إبراهيم محلب الأولي في مارس 2014، شهدت تخفيضاً لعدد الوزارات حيث قل عدد المقاعد الوزارية من 37 وزيراً إلي 31 وزيراً، وذلك من خلال دمج 12 وزارة. ولكن التعديل الوزاري الأخير ـ والذي قبله ـ عاد بالمقاعد الوزارية إلي (39) وزيراً. نعم يوجد 39 وزيراً، بعض الوزارات المستحدثة ليس لديها تكليفات واضحة، أو ميزانيات معتمدة، أو هيكل إداري وتنظيمي.

إن زيادة عدد الوزراء في هذه المرحلة، والأخطر زيادة عدد الهيئات والأجهزة التابعة لها في رأيي من أكثر دعائم البيروقراطية، ومن الأمور التي تعمل علي تكتيف الحكومة والوزراء. إن زيادة العدد في هذه المرحلة بهذا الشكل يعمق من مشكلات تعارض المصالح بين الوزارات المختلفة، كما يجعل اتخاذ القرار وتنفيذه من المهام العسيرة. فهناك تداخل بين اختصاصات وزارة العدل ووزارة العدالة الانتقالية، وهناك تداخل بين اختصاصات وزارة الاستثمار ووزارتي التجارة والصناعة والمالية، والتخطيط والموازنة، والإسكان والتنمية المحلية، والثقافة والآثار والسياحة... إلخ.

ولعل غياب مكتب تنفيذي في ظل الإطار التنظيمي لرئيس الحكومة علي مدار العقود السابقة يكون معنياً بالتنسيق العرضي بين الوزارات المختلفة، والتنسيق الرأسي لضمان ومتابعة تنفيذ القرارات الحكومية، والأهم إعداد السياسات وتحديد الأولويات الحكومية وإدارة الأزمات؛ غياب مثل هذا المكتب التنفيذي من اللوغاريتمات التي لا أستطيع فهمها أو استيعابها.. أيضاً غياب مجموعات وزارية دائمة بمهام محددة، يكون علي رأس كل منها وزير متخصص أمر غير مفهوم. فإلي جانب المجموعة الاقتصادية، يجب أن يكون هناك مجموعة للتنمية البشرية والاجتماعية، ومجموعة ثالثة للأمن الوطني والشئون السياسية، ومجموعة رابعة معنية بالخدمات العامة والمرافق.

في رأيي، فإنه في المستقبل القريب جداً يجب إعادة النظر في عدد الوزراء، والهيئات التابعة للوزارات المختلفة. يجب تخفيض عدد الوزراء من (39) إلي (22) وزيراً، وأن يكون ذلك منهاجاً خلال السنوات الثلاث المتبقية في فترة حكم الرئيس السيسي الأولي. إن تقليل العدد من شأنه تسهيل مهام اجتماعات الحكومة، وتسهيل اتخاذ القرارات، وتيسير التنفيذ والتنسيق بين الحكومات والهيئات المختلفة، وخفض النفقات العامة، وتعميق قواعد المسئولية والمحاسبة. ولكن ذلك يجب أن يكون مصحوباً بتحديد دقيق لاختصاصات كل وزارة ومهامها وتكليفاتها، والأولويات المحددة لها. ويجب أن يكون من مهام كل وزارة الإصلاح المؤسسي داخل ديوان الوزارة والهيئات والأجهزة التابعة لها. وإعادة النظر في الهياكل التنظيمية والإدارية العتيقة داخل هذه الأجهزة.

من الأولويات التي يجب أن ينظر إليها رئيس الحكومة  العمل علي إعادة إحياء وتطوير مركز معلومات مجلس الوزراء، فهذا المركز كان الهدف منه أن يكون بمثابة مركز العقل ورسم السياسات الحكومية وذراعها للتنسيق والمتابعة بين الوزارات، إلا أنه أصابه مرض الإهمال وتحول إلي عبء بدلاً من أن يكون مركزاً لدعم اتخاذ القرار.

لا يمكن أن يعمل رئيس الحكومة دون هيئة مكتب مستشارين دائمة علي أعلي مستوي، مستشارون بمهام محددة وتكليفات واضحة، مستشارون مسئولون عن معاونة رئيس الحكومة في رسم السياسات ومتابعة تنفيذها، وتحليل الملفات المطروحة عليها لاتخاذ القرار المناسب في أسرع وقت. مستشارون لهم ديمومة ومرتبات وصلاحيات، ويمثلون جزءًا لا يتجزأ من الهيكل التنظيمي والمؤسسي لمجلس الوزراء. لا أتحدث هنا عن منصب أمين عام مجلس الوزراء أو المدير الإداري لمكتب رئيس الحكومة، أتحدث عن مكتب فني علي أعلي مستوي. مستشارون معنيون بالسياسات الاقتصادية، والشئون السياسية، والشئون الإعلامية. ولا أتحدث ههنا عن مستشار صحفي أو متحدث إعلامي، وآخر لشئون العدالة الاجتماعية. مستشارون يلتقي بهم رئيس الحكومة يومياً، يحضّرون الملفات والأجندات، ويديرون الأزمات من مكتب رئيس الوزراء، ويعاونونه في متابعة تنفيذ القرارات، ووضع الاستراتيجيات، ومتابعة الأداء مع الوزارات المعنية. لا أري أية غضاضة في إحياء منصب وزير شئون مجلس الوزراء مرة أخري في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر؛ لرفع كفاءة الجهاز التنفيذي الحكومي.

لا أفهم لماذا تم تجميد المجلس التنسيقي بين البنك المركزي والحكومة، إن وجود محافظ البنك المركزي في المجموعة الوزارية الاقتصادية استثناء من الأصل، فهو ليس عضوا بالحكومة، وهو غير معني بمشكلات قطاع الاتصالات والاسكان. لا مانع من دعوة المحافظ في ملفات محددة لضمان عدم تعارض السياسات المالية مع السياسة النقدية، أو لمناقشة أمور تخص المؤسسات التمويلية. هناك حدود واضحة بين مهام البنك المركزي ومهام الجهاز الحكومي. إن تعطيل المجلس التنسيقي هو تعطيل لنصوص تشريعية دون سند.

بعض الوزارات لا تتبعها سوي هيئة واحدة، فبدأ يحدث التشاحن بين ديوان الوزارة والهيئة. وبعض الوزارات بها أكثر من (18) مساعدا للوزير، وغالبهم يخدمون لفترات محدودة فيصعب وجود سياسات مستقرة. وهناك بعض الهيئات التي تتبع رئيس الوزراء، وتسند تبعيتها لوزراء غير مختصين في مجال الهيئات التابعة، فتختل دفة التوجيه. كل هذه أمور تحتاج إلي إعادة نظر، والبداية دائماً في أي إصلاح تكون اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب، وتحديد أهداف ومهام وتوقيتات محددة لتنفيذ خطة الإصلاح. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك